أنباء موريتانيا
بيرام ولد الداه للقلم: انتهى الزمن الذي نستخدم فيه

29/08/2010 19:43:18

أصبح بيرام ولد اعبيد منذ فترة (أيقونة) للنضال ضد العبودية وكل أشكال التمييز في موريتانيا حين رفع مشعل الكفاح الذي أرادته قبله منظمتي "الحر" و"نجدة العبيد"، يرى الرجل أن الظرفية مواتية للمرور بسرعة قصوى رغم ممانعة الاستعباديين والسلطة القائمة.

عرضه أسلوب كفاحه للمضايقات: (رفض تجديد جواز سفره لمنعه من السفر كما سدت الأبواب أمام دعايته، لتتم إقالته لا حقا من منصبه كمستشار باللجنة الوطنية لحقوق الإنسان)، يتبنى برام ولد اعبيد خطابا لاذعا فهو (يطلق النار على كل ما يتحرك) حسب عبارة إحدى الصحف الوطنية، وسببت له مواقفه تلك التهديدات إلى جانب الشتائم هل هو خائف على روحه؟ لا يجيب برام لأن الحرية لا ثمن لها.

قدوته محليا هو مسعود ولد بلخير وبوبكر ولد مسعود وهما عضوان مؤسسان لحركة "الحر"، أما في خارج الوطن فمثاله مانديلا ومارتن لوثر كينغ ، يقع مكتبه قرب المدرسة رقم 7 حيث أصبح ملاذا للمستضعفين وضحايا الاستعباد الذين يخصص لهم جل وقته للإصغاء لهم وإيجاد الحلول لمشاكلهم.

التقته جريدة "القلم" وأجرت معه الحوار التالي:

LE CALEME : بعض الشائعات تتحدث عن لقاء سري نظمه وزير الداخلية، ولد ابيليل، بينكم ورئيس الجمهورية، هل يتعلق الأمر بمجرد تخمينات؟ ثم ألم يكن قد قرّبكم – في ما مضى- نظامُ ولد عبد العزيز؟

بيرام ولد الداه: لست على علم بمبادرة من هذا القبيل. ويحيّـرني كثيرا أن يفكر النظام الحالي وأنصاره في مسعى كهذا مع تكالبهم على تجويعي وعزلي وتلويثي. بيد أنني سأبقى، تمشيا مع طبيعتي كمثقف ومناضل في مجال حقوق الإنسان، منفتحا على كل شراكة صادقة ومحترمة يمكنها أن تساعد في وضع أسس تسوية جادة ونهائية لظاهرتـيْ العبودية والعنصرية اللتين يرزح تحت وطأتهما الحراطين والسود. وباستثناء ذلك فالنظام القائم أجري بي اتصالات عدة مرات قبل الانتخابات التي أعقبت اتفاقيات دكار، لكنه أبدا لم يتقرب إليَّ بعد ذلك.

LE CALEME: ظهوركم في حلبة مناهضة العبودية منح القضية بعدا آخر. فموقفكم يصفه البعض بالراديكالي، ولا يتردد هؤلاء في وصفكم بـ"المتطرف" وحتى بـ"المهووس بإشعال النار".. فلماذا تختلف حركتكم عن باقي المنظمات أمثال حركتيْ الحر ونجدة العبيد اللتين تعتنيان بالقضية؟

بيرام ولد الداه: يجب التفكير في تسمية مبادرة تيار الانعتاق في موريتانيا. كل المنظمات التي ذكرتم لعبت وتلعب دائما دورا مهما في شجب هذا المعضل. لكننا، على مستوانا، نعتبر أن الإشكالية تتطلب اليوم عملا أعمق بكثير إن لم نقل عملا جذريا.

في الحقيقة، وبالرغم من تغير العقليات وتنامي الوعي في صفوف الحراطين، فإن نظام البيظان، المنبثق عن رغبة جامحة في السيطرة والاستغلال، يرفض أن يتطور وينسلخ من الأحكام المسبقة والممارسات التي عفا عليها الزمن. إن الحكم المركـَّـز بين يدي النخبة الإقطاعية والعرقية العربية- البربرية، العديمة الحس تجاه المعاناة البشرية والصماء أمام إكراهات القانون، يشكل – للأسف- أداة لديـْـمومة هذه السفالة المتعاقبة عبر القرون والتي نطلق عليها العبودية والعنصرية المصاحبة لها. وهكذا فإن لكل وضعية ولكل خطوة خطاباتها ووسائل نضالاتها الملائمة لها. وعليه فإن مبادرة تيار الانعتاق في موريتانيا ليست إلا ردا على التعنت والجمود على احتقار حقوق الحراطين والسود وكل موريتاني خنوع، وكذلك احتقار الحرية والشرعية والعدالة الاجتماعية. إنها أيضا تعبير عن وعي الحراطين. إنها بلـْـوَرة إرادتنا وإرادة نـُـخـَـبنا.. أتركونا من الأتباع والخدم، فسيظلون موجودين في كل مجتمع.

LE CALEME: أية علاقة تربطكم بهذه المنظمات؟

بيرام ولد الداه: أعتقد أنني أجبت على هذا السؤال في ما سبق. غير أنني كي أكون واضحا ولكي لا أترك مجالا للشبهات التي يُـهَـلـِّـل لها الصيادون في المياه العكرة، أريد أن أقول لممارسي الرق والعنصريين وكافة القوى الرجعية: إعلموا أن مبادرة تيار الانعتاق هي التدرج المنطقي لهذا الكفاح. لأن شخصي، على أية حال، نتاج لحركة الحر ومنظمة نجدة العبيد. وأنا فخور بذلك.

LE CALEME: منذ تكفـِّـلكم بالقضية وانتم تستهدفون بصفة خاصة البيظان البيض في هذا البلد.. إذن يحدونا الفضول بأن نسألكم: هل يختلف البيظان عن الحراطين؟ وماذا تعني لكم المفردات التالية: "بيظان بيض" و"بيظان سود"؟ وهل تعتبر الشريحة البيضاء سببا أصليا لمآسي باقي الشرائح الوطنية؟

بيرام ولد الداه: هل تتكلمون الحسانية؟ ففي هذه اللهجة "البيظاني" تعني الأبيض. وهي مصطلح مشحون وعرقي. إذن الحراطين لا يمكنهم إطلاقا تحديد هويتهم من خلال هذه المفردة. ولماذا الإصرار المبالغ فيه على "بيـْـظـَـنـَـة" الحراطين وتبييضهم؟ مع إبقائهم في أحسن الأحوال على الهامش، وفي أسوئها خارج مجتمع البيظان. هذا ظلم ونفاق. إنه التلاعب البحت. والذين ما يزالون يعملون على إطالة أمد حكم وأيديولوجيا العنصرية والاسترقاق، باسم ولمصلحة الشريحة العربية-البربرية، ليسوا فحسب أصل مآسي الشرائح الوطنية الأخرى، لكنهم أيضا سببا أصليا في وَحـَـل المستقبل القاتم لهذا البلد الذي أصبح مآله، شيئا فشيئا، غير مضمون. فالأساس الذي بنوا عليه الدولة أساس من التجبر التام والمقزز كما أنه أساس من العمى الانتحاري.

من المسؤول عن العبودية وسرمديتها إن لم يكن السيد الذي يستخدم لهذا القرض كل الحيـّـل والمناورات من خلال توريط السلطتين الروحية والزمنية اللتين يملكهما؟ ومن هو السيد إن لم يكن العربي-البربري؟ من جهة أخرى، فبالنسبة لي لا يوجد بيظان بيض ولا بيظان سود. وإنما يوجد بيظان، أي بيض كما يحبون أن يتسموا، بموازاة مع السودان أي السود: الحراطين أو العبيد كما سمونا دائما من تلقاء أنفسهم منذ فجر التاريخ. إذن مفهوم البيظان السود هو نوع من التلاعب بالحراطين وإنكار ظروفهم كمحتقرين وأنذال وعبيد.

LE CALEME: بعض البيظان يتهمكم بمحاولة "إبعاد" البيظان السود عن البيظان البيض بغية الإخلال بالأغلبية الأثنية. أين يقع إذن تيار الانعتاق بالنسبة إلى البيظان البيض والزنوج الموريتانيين؟

بيرام ولد الداه: العلاقات بين البيظان والحراطين، كانت، قبل بيرام، ومنذ العصور السحيقة، مؤسسة على روابط غير متكافئة من السيادة والاحتقار والعبودية.. ولا يمكن في أيامنا هذه أن تكون بمنأى عن المحن والتوترات العائدة إلى السياقات التاريخية والعالمية التي تفرض –بحتمية الأقدار- قلب موازين القوة المتولدة من مطالب القانون وإكراهاته. والوحدة بين هاتين المجموعتين، المتمايزتين جدا بإرادة البيظان أنفسهم، لم تكن أبدا صحيحة ولا عادلة ولا طوعية. لقد ظلت دائما مفروضة على حساب الحراطين. إنها وحدة مظهرية زائفة، إنها صفقة مغفلين واضحة تحدوها خرجات، بين الفينة والفينة، وتحت الطلب، تقوم بها مجموعات وأفراد من ضمن العبيد المستخدمين (حراطين النظام) ضد من منـَّـا (في تيار الانعتاق ونجدة العبيد والحر) يدق ناقوس الخطر لجعل الحسابات صافية ومن ثم أنـْـسَـنة وتهدئة الروابط.

إن الحفاظ على هذه الوحدة الزائفة، وعلى صفقة المغفلين التي تلعب ضمنها الوحدة الحقيقية دور الضحية المخدوعة، لا يحتاج إليه الحراطين في الوضع الراهن. إنها أغلبية كنا على الدوام مهمشين داخل نطاقها. مع العلم بأننا نشكل فعليا أغلبية الأغلبية. إذن الأمر يتعلق بتراتبية داخل أغلبية تم إعدادها لاستخدامنا من أجل سحق ضحايا آخرين لنفس النظام: يتعلق الأمر هنا بسود موريتانيا.

الحراطين لم يعودوا يحتاجون إلى سند، ووضعهم واضح اليوم. هل سيظل ينظر إلى الحراطين أبديا على أنهم نوع من الزوائد الملحقة لا لشيء غير صنع أو تفكيك أغلبية؟ لا.. لقد انتهى الزمن الذي نستخدم فيه. لقد رنــَّـت ساعة الاعتراف بأننا (بمعيـَّـة أو بدون مَـعِـيـَّـة الآخرين) نشكل الأغلبية. وإلينا نحن يرجع تعريف هويتنا الخاصة وبالتالي روابطنا.

الهوية لا تــُـتخذ بقرار سياسي، أحرى أن يكون القرار، بالإضافة إلى ذلك، منحازا جدا؛ لأن أصحابه هم من استعبدونا بقرار لم يزل متخذا بمرأى ومسمع الجميع. كما يرجع إلينا نحن تحديد موقعنا على الرقعة الوطنية وذلك وفقا لدورنا كأهم ركائز تنمية البلد وخاصة وزننا الديمغرافي الذي لا يحتاج البرهنة؛ وذلك، في الحقيقة، هو ما يحرج كل من يحط من قيمتنا من بين آخرين يريدون إبقاءنا مستغــَـلين، جاعلين العالم يتصور أننا قــُـصَّـر بغية تبرير وصايتهم علينا. لقد انتهت هذه اللعبة. وانكشف أن أحدا منا لم يعد مقتنعا بها.

وإن تيار الانعتاق يعتبر أن على مجتمع البيظان أن يتفاهم لرفع العادلين من أبنائه إلى دوائر القرار لتحميلهم المهمة التاريخية والمستعجلة (......)، المتمثلة في إبطال مفعول قنبلة الانفجار المجتمعي الذي أطلت في موريتانيا بوادره الخطيرة. ونعتبر أن السود يلتقون مع الحراطين في معسكر الضحايا ومعسكر البؤس.

LE CALEME: ألا تعتقدون أيضا أن نخبة الحراطين تتحمل نصيبا كبيرا من مسؤولية مكافحة هذه الفاجعة الانسانية؟

بيرام ولد الداه: بالطبع. نصيب نخبة الحراطين من المسؤولية لا جدال فيه. بل كانت نخبة الحراطين في الطليعة. فالحر، الذي يعتبر رائدا ورمزا لهذا الكفاح، أُسِّـس من طرف النخبة. فهي التي قادت المعركة التي نأمل متابعتها.

اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، فإن أطر ومثقفي الحراطين يعارضون العبودية من خلال الروابط والنوادي وأعمدة الجرائد والمقابلات. إنهم يرفعون الكفاح إلى أعلى مستوياته مطوِّرين بذلك خطابا واضحا لا لبس فيه وبتآزر جهود غير مسبوقة. هذه النخبة بدأت القطيعة مع العادات النفعية لحفنة تجري وراء التعيين في المناصب الزائلة. هذه النخبة ذات الضمير يكبر حجمها كل يوم وتجمع من حولها الجماهير. والمواقف الأيديولوجية والسياسية بعيدة من أن تستطيع تقسيمها. صدقوني. إنني أعرف عن ذلك الكثير بوصفي رئيسا لمبادرة تيار الانعتاق.

LE CALEME: بذاءاتكم جعلتكم تتعرضون للتهديد والشتم في الانترنيت. ألا تخشون على أمنكم؟

بيرام ولد الداه: مثل جميع أبناء جلدتي لديَّ قضية، وأنا مستعد للدفاع عنها ولو كان الثمن حياتي. أما الشتائم والتهديدات فقد عرفتها كجميع من سبقوني من الإخوان الذين سجنوا في زنزانات الأنظمة الاسترقاقية. لا يمكنني أن أرفع التحدي لوضع حد لعدة قرون من الخنوع والتجبر ثم لا أكون مستعدا لدفع ثمن الحرية. ماذا قاسى مانديلا بغية دفن لابارتايد؟ وكذلك مالكوم إكس، ومارتين لوثر كينغ وآخرون ممن واجهوا عنصرية الدولة؟.. أقول: ماذا لزم مسعود ولد بلخير وبوبكر ولد مسعود، مرورا بعمر ولد يالي وآخرين، ليقبلهم النظام الإقطاعي والاسترقاقي على أنهم بشر يمكن التعاطي معه؟

كل هؤلاء واجهوا المخاطر. لكن على أعداء الحراطين وأعداء ترقيتهم أن يعلموا أنني إن مت سيظل يطاردهم شبحي في أعماق أعماق قبورهم.

LE CALEME حتى هذه المرحلة يبدو أنكم تضعون قضية الزنوج الموريتانيين في المرتبة الثانية وهم من عاشوا فواجع بين 89 و91. بيد أن تيار الانعتاق من بين المنظمات القلائل التي وصفت تلك الفواجع ب"الإبادة الجماعية". ألا تعتقدون أن الحراطين وزنوج موريتانيا يعدون ضحايا لمشكل التعايش بين المكونات الوطنية؟

بيرام ولد الداه: أنا مهموم بالعدالة والمساواة. وأول ما ينبغي هو أن نكون صريحين ومخلصين. هذا يُـمَـكـِّن الانسان من أن يكون صاحب ضمير مطمئن. لقد شجبت على الدوام، وبكل ما يلزم من قوة، الفاجعة التي حلت بزنوج موريتانيا. وهي بالفعل إبادة جماعية. فيكفي أن نحيل إلى مدلول هذه العبارة ونرى الأحداث كي نلاحظ ذلك. فنحن من قرر أن يرفض تقديم أية تنازلات لقوى الشر, تلك التنازلات التي قبـِـلها –بانهزامية- آخرون تزلفا للنظام وتنفيسا عنه في تشخيصه للأحداث الثقيلة والتاريخية التي استهدفت تجمعات الضحايا من قبل نفس النظام العنصري والاسترقاقي الذي يسيـّـر موريتانيا منذ خمسين سنة. لكن هناك منظمات لدى الضحايا تدعو المسفرين بـ"اللاجئين" وتسمي الإبادة الجماعية بـ"الإرث الإنساني". إنه حياء تافه يعبر عن الكثير حول مدى تصميم من ينبغي أن يكونوا رأس حربة هذه القضية العادلة. لماذا إذن مساءلة مبادرة تيار الانعتاق حول ما أتقنته أكثر من كائن من كان، بينما بعض الضحايا الرموز وبعض القادة الرمزيين، مثل رئيس الحزب الذي تعرفون جميعكم، يقبلون علنا أن يتباروا مع أنصار رئيس دولة لم يتفضل حتى بإعادة الاعتبار إليه بعد إدانته من طرف محكمة عنصرية؟ كذلك هذا القائد والضحية الذي قبـِـل أن ينسى السلسلة التي كانت تشد وثاقه مع صهره حتى عندما يريد أحدهما قضاء حاجته. وآخرون معه قبـِـلوا التعامل مع الجنرال الذي لم يفكر أبدا في التراجع، من خلال جحافل نوابه وشيوخه، عن القانون الخارج على القانون والذي يقر العفو الشامل عن جرائم الدم المقترفة ضد الأطر المدنيين والعسكريين الزنوج، كما رفض أن يقض مضاجع مدبري ومنفذي التصفية العرقية الذين ما يزالون يشكلون جزء من ماكنة النظام.

أنْ نتحاشى تسخيف مآسي المجتمعات، يعني أن نبتغي الحد من العبودية بدلا من تقديمها على أنها مشكل تعايش بين المجتمعات.

مهما يكن فأنا لا ألومكم لأن العبد وحده يعرف معنى الحرمان من الحرية والتشييئ والحيـْـونَـة والإقصاء والتهميش وأن لا يبرز كبشر تام البشرية في الدستور الوطني الذي يعترف لكل مجتمع بحقوقه ومميزاته واختلافه. هناك أمور جمة تتعلق بالحراطين وتنتظر التسوية قبل الوصول إلى التعايش الذي يعتبر تتويجا لمسلسل طويل يحاول النسـَّـافون عن وعي حرقه لاعنين العدالة التي هي صمام وحيد للأمن والأمان الوطني إذا كان النظام يصبو إلى ذلك بالفعل.

LE CALEME : في اعتقادكم، ماذا على المكونات الثلاث فعله لـ"تهدئة تعايشها"؟ وهل ترون أن نظام ولد عبد العزيز قادر على إيجاد حلول حقيقية للقضية الوطنية؟

بيرام ولد الداه: في اعتقادي أنه يجب الاعتراف بوجود منزلقات خطيرة تـُعَرّض الدولة لكل مخاطر انعدام الأمن، بل وحتى الانهيار. ووحده إنكار المشاكل، بما فيها العبودية التي هي أم الآثام والشتائم القائمة على عنصرية الدولة الملثمة بالإقصاء والتهميش، هو المسؤول. لا بد من إرادة حقيقية في استئصال العبودية والاعتراف بكرامة الإنسان أيا كان، وإعادة حقوق التجمعات طبقا للمعايير الموضوعية. ينضاف إلى ذلك وضع حد نهائي لاستلاب المجتمعات كحملة المسخ الثقافي الإلزامي التي تستهدف الحراطين لتحولهم إلى بيظان؛ بيد أنهم ليسوا ولن يكونوا كذلك أبدا. تماما كما هو الحال مع تعريب زنوج موريتانيا رغما عنهم. كما يجب تسليط الضوء علنا ورسميا على ما عانوا، وتطبيق العدالة في المجرمين (في حقهم)، وإصلاح الأضرار، وبدء عمل حقيقي لاستحضار الذاكرة. وكذلك ينبغي أن ترى كل التجمعات صورتها في كل مؤسسات الوطن: العسكرية، القضائية، الحكومية، المصرفية، إلخ. إن على موريتانيا أن تصبح موريتانيا كل الموريتانيين، وليست موريتانيا نظام الهيمنة العربية-البربرية. هذه هي الضمانات الحقيقية للتهدئة والتعايش، إذا كان يراد لذلك أن يتحقق، رغم ما يراودني من شك.

أما بخصوص الجزء الثاني من سؤالكم، أقول بأن نظام ولد عبد العزيز الذي يرفض أن يذكر العبودية بالإسم، والذي رمى في الدرج ملفها من خلال رفضه التام لتنشيط تطبيق القانون المجرم للرق والممارسات الاسترقاقية الذي كان من اللازم أن يعاقب الجناة الكثيرين، هذا النظام بعيد من أن يكون قادرا على إيجاد حلول حقيقية للقضية الوطنية. ما هو مصير المبالغ المالية التي وهبها النظام لمحاربة العبودية؟ والهيئة التي كان مقررا لها أن ترى النور، أين هي؟ هل سمعتم بهذا الموضوع في برنامج حكومته؟ فالحراطين لم يُـقصوْا ويهمشوا مثلما أقصُوا وهـُـمشوا اليوم. ليست هذه النسخة من حكم البيظان (التي يقودها ولد عبد العزيز)هي ما ينبغي أن ننتظر منه الخلاص.

LE CALEME : تقومون دائما بزيارة ما يعرف عندنا بآدوابه، هل لمكافحة الفقر التي تقوم بها مفوضية الأمن الغذائي ومفوضية حقوق الانسان والعمل الانساني تأثير على حياة مجتمع الحراطين؟ وإلا فأين ذهبت المليارات التي استثمرها هذان القطاعان؟

بيرام ولد الداه: مفوضية الأمن الغذائي ومفوضية حقوق الانسان والعمل الانساني ليستا في خدمة الحراطين على الإطلاق. هذان القطاعان، المصممان على مقاسات معينة، يخدمان من يديرون دفتهما. وملياراتهما لا تذهب إلى الشعب فأحرى الحراطين. الكل يعلم أن قرابة 300 ألف موريتاني يواجهون المجاعة. وقد أطلقت المنظمات الدولية نداءات استغاثة. ومن ضمن هذه الـ 300 ألف فالأغلبية الساحقة حراطين تم تفقيرهم وأُبْـقـُوا في العَوَز جراء 50 سنة من التسيير الحصري والفقر المدقع . والأقلية العربية البربرية هي التي تسيّـر القطاعات المكلفة بإخراج الحراطين (العبيد والمحررين) من البؤس الناجم عن 6 قرون من اغتصاب أراضيهم وكل حقوقهم في التركة. فماذا يمكن أن ننتظر إن لم يكن اختلاس هذه المليارات التي يُزعم أنها معبأة لتخفيف وطأة المعاناة؟ فليس للحراطين ملكيات عقارية، ولا متاريس حاضنة، ولا قروض زراعية، ولا إرشاد تقني. إن كيلوغراما وخنشة مّا على شكل صدقة هما بالتمام ما يكفي لإبقاء الحراطين في وضعية التبعية. أما مفوضية الأمن الغذائي ومفوضية حقوق الانسان فليستا إلا أرزاقا سيقت كمكافأة للذين يساندون الأنظمة. والذين يشرفون عليهما، ومعاونوهم الأصفياء، لا يعيرون أي اهتمام للبائسين. والدليل أنهم لا يضعون أية سياسية تهدف - على المدى القصير أو الطويل- إلى الاستقلال الذاتي للمواطنين. ومن يا ترى يتساءل عن مصير المليارات التي تعمل على تسمين الأسياد والإقطاعيين؟

LE CALEME: موقف العلماء وقادة الرأي الديني حول قضية العبودية لا يرضيكم؟ ماذا تأخذون عليهم؟

بيرام ولد الداه: موقف غالبية العلماء وقادة الرأي الديني حول قضية العبودية لا يرضي أي حرطاني ولا أي موريتاني عادل. يجب أن يكون ذلك واضحا للجميع. أنا أقول بصوت عال وقوي ما يـُـتمتم به الكثيرون. وأتحمل حتى النهاية مسؤولية مواجهة رجال الدين المرتشين الجديرين بالعيش في عصر آخر. كذلك أئمة وعلماء الجيوب والبطون. إنهم رجال يرعوْن الغموض ويرفضون شجب العبودية بشكل لا لبس فيه، ويدفنون رؤوسهم وراء اللعب بالكلمات والحيّل بغية إطالة أمد ممارسات غير مبررة وغير قابلة للتبرير. وهنا أشجب المكائد ذات الوجهين للحزب المحظري (تواصل) وأقول لهم أنه مادام قادتهم ورموزهم الروحية يشكلون – من خلال الفتوى والقرارات- سندا للجلادين كعمر البشير وللنظام ولممارسي الرق الموريتانيين فسنظل ندافع عن الضحايا، وبالتالي سنقف أبدا في وجوههم هم.

إنني آخذ على هؤلاء العلماء وقادة الرأي الديني تواطؤهم الضمني تارة والصريح تارة مع الأسياد، كما أجابه بكل إصرار اليسار الموريتاني، فهو يسار استرقاقي ذو خطاب خبيث. كما سنجابه وسنظل نجابه حتى الموت فصائل القوميين العرب الذين تـُـسابق فاشيتـُهم عبوديتـَهم. ليست لديّ أية مشكلة مع الإسلام. مشكلتي مع التأويلات التي يقوم بها البعض لتبرير مآسي الآخرين. لا يمكنني أن أتصور أن علماءنا وفقهاءنا غير قادرين - بعد أكثر من 14 قرن على الهجرة- على استصدار فتوى تضع نهاية لجدل ازدرائي حسمت بشأنه كل الأديان التوحيدية. أي عار هذا! أي خزي! أية محنة بالنسبة لنا كمسلمين عندما نتطرق لتحريم الرق فنلجأ للمعاهدات الدولية في مجال حقوق الإنسان كما صرح بذلك يوسف القرضاوي.. فأين هو باب الاجتهاد؟

LE CALEME : خلال شهر نوفمبر المقبل ستخلد بلادنا أعياد خمسينية الاستقلال. ماذا تنتظرون من السلطات لجعل هذا الحدث متميزا؟ حسب بعض الشائعات فإن بإمكان رئيس الجمهورية أن يعيد الاعتبار للزنوج العساكر الموريتانيين الـ 28 الذين أعدموا يوم 28 نوفمبر 1991 في إنال.. ماذا ترون؟

بيرام ولد الداه: أنتظر من السلطات العمومية أن تطلب العفو باسم الدولة من كل ضحايا الابتزاز والعبودية، وأن تعاقب كل الجناة، وأن تعطى تعليمات للإدارة الترابية والسلطات القضائية ووكلائهم لملاحقة كل ممارسي الرق وتطبيق القانون، وأن تعترف الدولة للحراطين بحقوقهم، وأن تتوقف عن حماية المجرمين، وأن تحاكم الجلادين؛ لأن صلاة الغائب لا تعيد حقوق الأرامل والأيتام. من قتل ذويهم؟ لماذا قتلهم؟ أين دفنوا؟ هل العظام النخرة المتبقية تعود إليهم بالفعل؟ أسئلة من بين أخرى تعذب أهالي الزنوج الموريتانيين ضحايا الإبادة الجماعية. ومهما يكن فصلاة الغائب ليست عذرا للانفلات من العقاب أيا كان الجلادون.


نقلا عن أقلام حرة

 عودة