أنباء موريتانيا
حصاد الأسبوع السياسي فى موريتانيا

22/07/2010 23:07:15

بقلم: المختار السالم

مرت هذا الأسبوع الذكري الأولى للانتخابات الرئاسية الموريتانية (18/7/2009) التي وضعت حداً للأزمة الدستورية بانتخاب الرئيس محمد ولد عبد العزيز رئيساً للبلاد . هذه الذكرى “جرت” على سكة تساؤلات كثيرة طرحت في أوساط النخبة السياسية الموريتانية، حول مآلات الأمور في البلاد خلال السنوات القادمة وخاصة ما تعلق منها بالانسداد السياسي الحالي .

إذ رغم أجواء الدعوة للحوار بين الفرقاء السياسيين (النظام والمعارضة)، فإن انعدام الود يسود قطبي الصراع، في انتظار “معجزة” تذلل العقبات التي تحول دون وفاق سياسي حول العديد من الملفات . ما يمكن أن يرصده المراقب على الميدان الآن هو أن كل طرف يقوم ببناء “الحواجز” الدفاعية، وكأن الجميع مقبل على “معركة مصير” جديدة . يتخذ التنبؤ بها مشروعيته من التحولات المفاجئة التي عرفها المسار السياسي الموريتاني طوال الخمسين سنة الماضية، حيث عجزت تسعة أنظمة متعاقبة على الحكم عن فك شيفرة “الاستقرار السياسي” .

المعارضة الموريتانية استقبلت الذكرى الأولى لانتخاب الرئيس ولد عبد العزيز بتنظيم ندوة سياسية مساء الأحد الماضي تحت عنوان “أزمة متعددة الأبعاد”، حكمت فيها بالفشل على نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز في إدارة الحكم .

أما الأغلبية الحاكمة، فقد استبقت الندوة باتهام المعارضة بعدم جديتها ورغبتها في الحوار، وأعلن قادة الحزب الحاكم “الاتحاد من أجل الجمهورية”، في تصريحات صحافية، أن مسؤوليتهم لا تسمح بإضاعة الوقت وأنهم مشغولون بتحقيق البرنامج الانتخابي للرئيس عزيز .

وقال عمر ولد معط الله، الأمين العام للحزب الحاكم “مللنا من الكلام والسجال والوقت وقت عمل وإنجازات”، و”الحوار المنتظر هو حوار “المرجل” أو ما يجعل فيه” .

خلال السنة الأولى على انتخابه تمكن نظام ولد عبد العزيز من أن يصبح أحد أقوى الأنظمة التي حكمت البلاد، إذ تحرك بقوة ليكون “لاعباً إقليمياً” عبر سياسته العسكرية والأمنية في مواجهة تنظيم القاعدة في منطقة الساحل، وتمكن بسرعة قياسية من تسليح الجيش وتأسيس كتائب مكافحة الإرهاب وإنشاء منطقة عسكرية محظورة شمال البلاد لضبط الأمن في المنطقة الصحراوية الشاسعة التي تشكل الحدود مع الجزائر ومالي، وهو المجهود الذي واكبه الغرب (فرنسا، أمريكا) بتدريب الجيش الموريتاني والوقوف بقوة وراء حصول النظام على تمويلات دولية فاقت التوقعات، فيما يبدو أن الحزب الحاكم بسط سيطرته بشكل مؤثر في الشارع من خلال عدد منتسبيه الذين تجاوزوا 800 ألف عضو، أي أقل بقليل من عدد المسجلين على اللائحة الانتخابية، هذا فضلاً عن إنجاز مشاريع تنموية ملموسة، وتحقيق نجاح دبلوماسي لافت للنظر، جعل ولد عبد العزيز يتمتع بعلاقات طيبة بل و”حميمة” مع الغرب والشرق بغض النظر عن حساسية تلك الأحلاف الدولية والإقليمية من بعضها بعضاً .

كما أن ولد عبد العزيز لا يزال في عيون الكثيرين “رئيس الفقراء” السريع الاستجابة والمبادرة، خاصة مع مباشرته تسوية ملفات الإسكان والصحة، والعودة لدعم القطاع الزراعي .

لكن هذه “الإنجازات” التي تمت في ظرف سنة من تسيّد لغة الاتهامات المتبادلة وتخصيب أجواء عدم الثقة في الداخل، لم تمنع المعارضة الموريتانية من تحريك الشارع عدة مرات، بل والتهديد بالإطاحة بالحكم، ومحاصرة النظام بآلة إعلامية ضخمة مهمتها تدوير “الحسنات” إلى “سيئات” .

وهكذا أثارت المعارضة ملفات الفساد محاولة ضرب إدارة ولد عبد العزيز في صميم الشعار الذي يرفعه باستمرار (محاربة الفساد)، وركزت على الصفقات المشبوهة، وملف النفايات البيئية السامة، و”الدور الفرنسي” الهادف إلى السيطرة على ثروات البلاد (النفط والغاز)، وكذلك ما تسميه “إبعاد الأطر والكفاءات من الإدارة” و”تصفية الحسابات الضيقة مع الخصوم”، و”السير بالبلاد نحو الحكم الفردي” عبر “بناء حزب للدولة” واستمرار تدخل الجيش في السياسة .

أمام هاتين “الصورتين” إلى أين تتجه موريتانيا؟

من وجهة نظر قادة الأغلبية، موريتانيا تتجه إلى مرحلة إعادة تأسيس من جديد قائمة على لغة المشاريع والقطيعة مع الماضي عبر تلبية أهم احتياجات السكان في مجالات المعيشة والبنية التحتية. ولا يرى قادة الحزب الحاكم في الحراك النشط للمعارضة سوى محاولة التغطية على الفشل الانتخابي والعجز عن إيجاد خطاب مقنع للشارع .

ولم يُخْفِ الخطاب السياسي والإعلامي للحزب الحاكم “غبطته” بنجاح الحكومة في تحقيق “عمل ملموس وجبار” خلال الفترة الماضية على الانتخابات، وبدا واثقاً من تحقيق نقلة نوعية في أسلوب إدارة البلاد، راداً على مآخذ المعارضة بأنها “لا ترى إلا الربع الفارغ من الوطن” .

وحرص الحزب الحاكم في إطار إظهار الصورة الإيجابية للديمقراطية الموريتانية، على التأكيد على أن الحوار متاح للمعارضة تحت كل المنابر .

أما المصطفى ولد بدر الدين، وهو من أبرز قادة ومنظري المعارضة الموريتانية، فقد رد في تصريح ل”الخليج” بالقول إن موريتانيا الآن بعد مرور سنة أولى على انتخابات الثامن عشر من يوليو/ تموز ،2009 أصبحت أمام خيارين فقط:

الأول: هو ما نرجو أن يتحقق، وهو خيار قبول غير شكلي من النظام باللجوء للحوار مع المعارضة، وخاصة على ضوء “اتفاق دكار” في مادته الرابعة من فقرته السابعة (نص الفقرة: بحث إمكانية وضع ترتيبات سياسية للشراكة في ممارسة الحكم وكذلك آفاق إجراء انتخابات تشريعية مسبقة) . وهذا الخيار سيتيح تهدئة وتمرير الانتخابات القادمة (نيابية وبلدية) من دون أي مشكلات وقبول بنتائجها من كل الأطراف، كما سيمكن النظام من خلق الأجواء المناسبة لامتصاص التمويلات التي حصل على تعهد بها، فهذه التمويلات وإن كانت على الورق، لا بد لاستثمارها استثماراً ينعكس على الوضع التنموي للسكان من توفير أجواء استقرار سياسي في البلاد، كما سيخدم هذا الخيار المعارضة أيضاً بنيلها لحقوقها وتوسيع هامش حريتها ما سيمكنها من القيام بدورها كحكومة ظل” .

أما الخيار الثاني فهو استمرار النظام في الإعجاب إلى حد “السكر” بإنجازاته بين قوسين، وبما حققه من نجاحات دبلوماسية بين قوسين أيضاً، يضيف ولد بدر الدين، وعندها لن يتوفر الاستقرار، وسيقوم ولد عبد العزيز بتكرار تجربة نظام ولد الطايع عندما تصور أنه أصبح في منعة تامة وأن كل الأمور لصالحه .

وشدد ولد بدر الدين على أن الوضع الموريتاني لا يسمح لأي كان، مهما كان عليه من القوة والدعم الخارجي، أن يحقق استقراراً من دون إجماع وطني، مشيراً إلى أن تجارب الأنظمة السابقة دليل على ذلك، إذ كانت الثغرة التي عصفت بتلك الأنظمة هي تجاهلها للمعارضة رغم أن المعارضة آنذاك في ظل الأنظمة السابقة كانت أمام خيارات وإمكانات أقل، عكس ما هي عليه الآن .

واستدرك ولد بدر الدين قائلاً إن على الرئيس ولد عبد العزيز أن لا ينسى أن التمويلات الدولية مشروطة بحوار سياسي مع المعارضة و”الوثيقة بحوزتي نسخة منها” .

واستغرب ولد بدر الدين خوف الرئيس عزيز من إبعاد الجيش عن العملية السياسية قائلاً إن إبعاد الجيش عن السياسة أمر يخدم ولد عبد العزيز قبل غيره .

واتهم ولد بدر الدين جهات لم يسمها في نظام ولد عبد العزيز، ومنها بعض الوزراء، بمحاولة منع النظام من العمل على تحقيق وفاق وطني “في تكرار أيضاً لدور أمثال أولئك الأشخاص في الأنظمة السابقة” .

واستبعد ولد بدر الدين بشدة، ما يمكن أن يشكل عند النظام بديلاً للحوار، وهو الرهان على حدوث انقسام في المعارضة، مؤكداً أن أحزاب المعارضة ماضية في تحالفها الاستراتيجي .

إذن، أيهما ستكون له الأفضلية والغلبة في النهاية “حوار المراجل” أم “حوار الوفاق السياسي” .

الظاهر أن الرئيس ولد عبد العزيز بعد اكتمال البناء الداخلي للحزب الحاكم إثر المؤتمر التأسيسي الأول الأسبوع الماضي، وبعد الحصول على التمويلات، والنجاح الدبلوماسي، وتحسين وضعية الجيش، و”البقرة الحلوب” المتمثلة في الدور الإقليمي الجديد في مواجهة الإرهاب، ليس في موقف ضعف أبداً، ومع ذلك يبدو أنه لا يريد كلياً تجاهل المعارضة وتأثيرها في الشأن الداخلي، ولعل تجربته القصيرة نسبياً في الحكم علمته أن كل شيء يمكن دفنه إلا المعارضة، وأن الملفات الداخلية، وخاصة الاجتماعية والفئوية، أعوص بكثير مما يمكن تخيله .

ومع ذلك لا تزال رواسب المرارة والجفاء جراء سنتين من الصراع المرير كفيلة بإبقاء البوصلة السياسية الموريتانية في اتجاه الخلاف .

الخليج الإماراتية

 عودة