25/02/2010 00:34:23
.نواكشوط/الخليج الإماراتية - المختار السالم:
من شبه المسلم به لدى جزء مهم من النخبة السياسية الموريتانية هو دقة قراءة “اليسار” الموريتاني للوضع في بلاده . وخبرة رجال اليسار في التحليل والتوقع، حتى إن أحد قادة القوميين الموريتانيين يغمز في قناة “اليسار” بأنه “كزان” (قارئ فنجان) .
هذا الأسبوع خرج قادة اليسار الموريتاني المعتدل بخطاب جديد، ليس أمام جمهور نواكشوط السياسي بامتياز، والتواق للتصريحات البراقة والإثارة على غرار مناظرات الشعراء، وإنما في المدن الداخلية بعيداً عن “جمهور النخبة” النواكشوطية . والمثير أن قادة اليسار في مهرجاناتهم الشعبية في الداخل والتي بدأوها من ولاية “كيهيدي” (جنوب) قدموا تصوراتهم للوضع وتطوراته المستقبلية ب”جمل كبيرة” من نوع “إن نهاية نظام ولد عبد العزيز أصبحت قاب قوسين أو أدنى وبعد الوصول إلى مرحلة من الانسداد جراء سياساته الأحادية العشوائية”، وحذروا من وصول أوضاع موريتانيا “الخطيرة جداً” إلى مرحلة تؤدي إلى تغيير النظام بطرق غير محسوبة ترفضها المعارضة وتخشى حدوثها”.
قال قادة حزب اتحاد قوى التقدم (اليسار) إن تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وخنق الحريات وسوء التسيير والإقصاء وتصفية الحسابات، كل ذلك “جعل كافة الخيارات لنهاية النظام القائم مفتوحة” .
ولفت نظر المراقبين قول قادة اليسار إن “منسقية المعارضة تضع في اهتماماتها ملء أي فراغ يحدث في السلطة والعمل على استتباب الأمن والهدوء” .
وطالبوا النظام بالمبادرة إلى قبول الحوار مع المعارضة قبل فوات الأوان “من أجل وضع خريطة طريق متفق عليها لحل مشاكل البلاد بصورة مدروسة يشارك الجميع في تصورها وفي تنفيذها”، معتبرين ذلك السبيل الأوحد لاستتباب الأمن والاستقرار وايجاد مناخ ملائم للتنمية وتعزيز الوحدة الوطنية .
الخطاب “الجديد” لليسار الموريتاني مرده نقطتان جوهريتان في تداعيات الأوضاع الحالية، النقطة الأولى بث الخطاب المعارض الذي يروج لسقوط النظام وعجزه عن إدارة البلاد وتعبئة الشارع لصالح خطاب ينعى نظاماً أمسك للتو بزمام الأمور، وهذا ليس جديداً كلياً في خطاب المعارضة الموريتانية من حيث الشكل والمضمون، ولكن الجديد هو “التبكير” بنقل هذا الخطاب إلى الداخل، الأمر الذي يعني التحضير لاستياء شعبي واسع بعد أن ظهر “الداخل” بفاعلية في الأزمة الدستورية الماضية، بينما كان الخطاب السياسي لا يصل المناطق الداخلية وصولاً مؤثراً إلا في موسمي “الانقلاب” أو “الانتخاب” .
الأغلبية . . معارضة
أما النقطة الثانية، وهي الأهم ربما، فتتعلق بالصورة التي تتكشف يوما بعد آخر لوضع الأغلبية الرئاسية الداعمة للرئيس محمد ولد عبد العزيز .
فهذه الأغلبية باستثناءات قليلة تعمل بأقوى وأسرع من المعارضة ذاتها على تحطيم النظام عن “قصد” وسبق إصرار حتى لو لبست المظاهر أثوابا خادعة .
ولم يعد هناك شك، بحسب المحلل السياسي الموريتاني أحمد أمين “بأن الأغلبية تقوم اليوم بدور المعارضة من داخل النظام الحاكم”، مضيفاً أيضاً أن نقص التجربة لدى كثير من وزراء الحكومة الحالية أدى إلى تسديد ضربة قوية لصورة النظام ومن ذلك مثلاً القرار بتعليق رواتب 10% من موظفي الدولة في يوم واحد، وهو قرار، إذا كان يتوخى الإصلاح، فإنه لا يتوخى الآثار السلبية له قطعاً” .
ومما لا شك فيه أن الأغلبية الرئاسية والنيابية تعيش استياء شديداً من نمط تعامل ولد عبد العزيز معها، أو على الأصح من تغير نمط تعامل النظام الجديد مع الأغلبية ويمكن فهم ذلك على النحو التالي:
إن الأغلبية تشعر بأنها “أغلبية من أجل الأغلبية فقط” فهي لا تتم استشارتها من طرف الرئاسة في الأمور الجوهرية خاصة قضايا التسيير الداخلي والتعامل مع الملفات الاجتماعية .
إن الأغلبية لم تجد المقابل المادي والمعنوي لولائها، فالحكومة لا تعبر عنها كأغلبية حزبية ونيابية، ولم تستشر في اختيارها ولا في تعيينها، وينطبق نفس الشيء على المناصب الإدارية المهمة، وعلى “ملف الصفقات” الذي تقلص بشكل كبير عدد المستفيدين منه . وهم “ناخبون كبار” بل وخبراء في تهدئة الأوضاع العامة وإخراج الواقع وتسويقه بالشكل الذي يرغبون .
إن الأغلبية تشعر بأن الحرب على الفساد تستهدفها قبل غيرها باعتبار أن شخصياتها وكوادرها، حتى خارج التعيين، لم يعد بإمكانهم تلبية الالتزامات الاجتماعية المترتبة عليهم في أوساطهم القبلية أو السياسية، وهي الالتزامات التي كانت تلبى من “حساب الفساد” في كل قطاع، وتم وقف هذا “الحساب” عن هذه الشخصيات من دون وضع بديل عملي يمكنها من أداء دورها التقليدي في خدمة النظام وحمايته سياسياً وتعبوياً .
وهناك شعور طاغ لدى العشرات من الشخصيات الاجتماعية والسياسية والنشطاء الحزبيين والوجهاء بأن دورهم الآن فقط هو في تنظيف المائدة بعد أن ذهبت “كعكة الدولة” بأكملها لصالح “دخلاء” من عديمي الخبرة في السياسة والإدارة ولم يؤدوا أي خدمات، لا إدارية ولا انتخابية، تبرر نيلهم للحظوة .
خلافات
وقد سجل بوضوح الأسبوع الحالي بروز خلافات بين الأغلبية الرئاسية وحتى داخل حزب “الاتحاد من أجل الجمهورية” الحاكم، فقد اتهمت الأحزاب غير الممثلة في البرلمان من سمتهم ب”أربعة أشخاص” بالاستيلاء على كل شيء والتحدث باسم الأغلبية الرئاسية، مدعية أن دورها أكبر من الأحزاب البرلمانية وأن وجودها خارج البرلمان يعود لتشكيلها بعد الانتخابات النيابية قبل ثلاث سنوات .
فيما دقت الخلافات بين قيادات الحزب الحاكم “جرس إنذار” آخر، فهذه الخلافات التي فسرت أولاً بأنها صراع بين الناصريين والإخوان للإمساك بالحزب والسيطرة عليه، وفسرت مرة أخرى بصراع جهوي، ومرة ثالثة بصراع أجيال وأجنحة السلطة، لا يتضح في العمق سوى أنها تذمر من التهميش والإقصاء على مستوى وظائف امتيازات السلطة .
ويقول أحد أبرز قادة المعارضة الموريتانية ل”الخليج” إن “ريح المشاكل التي تهب اليوم على ولد عبد العزيز جاءت من باب أغلبيته أكثر مما جاءت من معارضته، فقيادات الأغلبية ومركز خبرتها السياسية مهمشة ولا تشعر بالرضى، بل إن كثيراً منها يشعر ألا مستقبل ولا مكانة له ولا حتى احتراماً عند الجنرال الذي يجلس أمام الملأ ويقول “فلان” يدعمني وقد أقلته لأنه سارق كما شاهدتم خلال زيارته لمدينة روصو” .
وخلال الأيام الماضية لوحظ بشكل كبير تقاعس “خطباء” الأغلبية عن واجهة وسائل الإعلام المحلية والدولية وحتى عن البيانات والتصريحات السياسية الاعتيادية المدافعة عن النظام، ما ترك الفرصة لقادة المعارضة بالعزف من دون تشويش، على وتيرة ارتفاع الأسعار، والوضعية الكارثية لقطاعي الزراعة والصيد، وملف الحريات العامة، وتذبذب ملف الإسكان، ومطالب النقابات العمالية، والملف الأمني . وبعبارة واحدة “وضع المواطن في صورة كوابيس تحدق به” .
إن الأمر بصورة أوضح هو أن الرئيس محمد ولد عبد العزيز أصبح أمام “معارضتين” لا تختلفان إلا في التسمية، وهذا العامل الجديد من شأنه الإبقاء على محرك التوتير يعمل بجهد مضاعف .
ويرى أحد مقربي ولد عبد العزيز أن جزءاً من هذه الصورة يعود إلى عدم تأقلم النخبة الموريتانية حتى الآن مع إصلاحات “رجل الثورة” الذي يخوض حرباً على الفساد ويرفض الرضوخ لأسلوب “التسيير العشائري” للدولة، ولا يقبل الرضوخ لاستخدام عامل الموالاة السلبي في ابتزاز المؤسسة الرئاسية .
وأمام الرئيس محمد ولد عبد العزيز، الذي يؤكد المقربون منه اطلاعه الكامل على هذا الحراك بشقيه المرئي والمخفي، الفرصة الآن لإجراء مناورة كبيرة للتغلب على الاستياء الحالي من “ارتفاع الأسعار، وانخفاض أداء الرفاق”، ويتمثل ذلك في تشكيل حكومة تعبر عن طيف سياسي واجتماعي واسع، وإقناع المانحين خلال اجتماعهم المقبل في بروكسل بمنح موريتانيا تمويلات مالية معتبرة تمكن السلطات من معالجة ملفات مستعصية كالفقر وانعدام البنية التحتية، يضاف لذلك البحث عن خطاب إعلامي جديد لإبقاء صورة “رئيس الفقراء” بعد أن بدأت “أحلام الفقراء” في التلاشي على الأقل في الأداء الإعلامي للمعارضة الذي سجل تقدماً كبيراً في الفترة الماضية . كما يبقى من الوارد، وهو ما تتحسب له المعارضة، نجاح ولد عبد العزيز في إحداث شق جديد في صف المعارضة يمكنه من تقوية صفه مثلاً بكسب قوى في هذه المعارضة مثل حزب “عادل” الحاكم قبل الانقلاب، والذي يوصف مكتبه التنفيذي الجديد المنبثق من الدورة الأخيرة لمجلسه الوطني بالخبرة والحنكة السياسية .
وهذا الحزب الذي يعد أهم ميراث سياسي للرئيس الأسبق سيدي ولد الشيخ عبدالله قد عارض الانقلاب بقوة، وينضوي حالياً في لواء منسقية المعارضة، لكن من السهل نسبياً على الرئيس ولد عبد العزيز كسب قادة الحزب إلى جانبه لينضموا للشيخ العافية والمرابط سيدي محمود وبقية زملائهم من رموز الأنظمة السابقة .
ولهذه الرموز خبرة كبيرة في صناعة “البروباغندا” الإعلامية والسياسية، وهي ضليعة ببواطن الملف الاجتماعي وتعقيداته وسبل السيطرة عليه .
إلا أن بعض المراقبين يرون أن الرئيس محمد ولد عبد العزيز لا يرغب في تصدر رموز نظام ولد الطايع لواجهة نظامه، ليس لدور هؤلاء في الماضي فقط، وإنما لأن ذلك يناقض وعده بتحديث الطبقة السياسية والإدارية للدولة . غير أن الجنرال عزيز، كما يناديه أنصاره، لا يمكن أن يغيب عن باله أن “الإكراهات السياسية” ليست سوى تعبير ظرفي قابل للتفسير سلباً وإيجاباً، خاصة في بلد يحفظ سياسيوه أكثر من شعرائه القول المعروف “وداوني بالتي كانت هي الداء” .
هذا على الأقل في ظل “الصولة الجديدة للمعارضة” التي عادت لوصف ولد عبد العزيز ب”الحاكم العسكري”، وفي ظل “تنبؤات” اليسار، و”مومياءات” الواقع الموروثة منذ خمسة عقود، والتي لا تفلح الأثواب في تغيير حقيقتها “الموميائية” .
|